|
ذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيب
عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم:
( إن الله يحب مكارم
الأخلاق ويكره سفسافها).
قال أبو حاتم: لست أحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم
خبرا صحيحا في العقل.
وإن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته
سفسافها هو نفس العقل، فالعقل به يكون الحظ،
ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ولا مال أفضل
منه، ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله.
والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب،
والعلم باجتناب الخطأ. فإذا كان المرء في أول
درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا،
كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قيل له
شيطان، فإذا عتا في الطغيان قيل مارد، فإذا
زاد على ذلك قيل عبقري، فإذا جمع إلى خبثه شدة
شر قيل عفريت.
وأفضل مواهب الله لعباده العقل. ولقد أحسن
الذي يقول:
وأفضل قسم الله للمرء عقله... فليس من الخيرات شيء
يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله... فقد كملت أخلاقه ومآربه
يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه... على العقل يجري
علمه وتجاربه
يزيد الفتى في الناس جودة عقله... وإن كان محظورا عليه
مكاسبه
قيل لابن المبارك: ما خير ما أعطي الرجل؟ قال:
غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن.
قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح يستشيره. قيل:
فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل. قيل: فإن لم يكن؟
قال: موت عاجل؟
وعن ابن المبارك قال: سئل عقيل: ما أفضل ما
أعطي العبد؟ قال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟
قال: فأدب حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: فأخ
شفيق يستشيره. قيل: فإن لم يكون؟ قال: فطول
الصمت. قيل: فإن لم يكن؟ قال: فموت عاجل.
قال أبو حاتم: العقل نوعان: مطبوع ومسموع؛
فالمطبوع منهما كالأرض، والمسموع كالبذر
والماء. ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له
عمل محصول دون أن يرد عليه العقل المسموع،
فينبهه من رقدته، ويطلقه من مكامنه، يستخرج
البذر والماء ما في قعور الأرض من كثرة الربع.
فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق
الشجرة من الأرض، والعقل المسموع من ظاهره
كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها.
أنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
رأيت العقل نوعين... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع المسموع... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس... وضوء العين ممنوع
قيل لعطاء بن أبي رباح: يا أبا محمد ما أفضل
ما أعطي العبد؟ قال: العقل عن الله تعالى.
قال أبو حاتم: فالواجب على العاقل أن يكون بما
أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده
من القوت؛ لأن قوت الأجساد المطاعم، وقوت
العقل الحكم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد
الطعام والشراب، كذلك العقول إذا فقدت قوتها
من الحكمة ماتت.
والتقلب في الأمصار، والاعتبار بخلق الله، مما
يزيد المرء عقلا، وإن عدم المال في تقلبه.
عن حاتم بن إسماعيل يقول: ما استودع الله عقلا
عبدا إلا استنقذه به يوما ما.
قال أبو حاتم: العقل دواء القلوب، ومطية
المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في
الدنيا، وعدته في وقوع النوائب. ومن عدم العقل
لم يزده السلطان عزا، ولا المال يرفعه قدرا.
ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة
دنياه؛ فكما أن أشد الزمانة الجهل كذلك أشد
الفاقة عدم العقل.
والعقل والهوى متعاديان؛ فالواجب على المرء أن
يكون لرأيه مسعفا، ولهواه مسوّفا، فإذا اشتبه
عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه؛ لأن في
مجانبته الهوى إصلاح السرائر، وبالعقل تصلح
الضمائر.
قال معاوية بن أبي سفيان لرجل من العرب عمّر
دهرا: أخبرني بأحسن شيء رأيته؟ قال: عقل طلب
به مروءة مع تقوى الله وطلب الآخرة.
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
إذا تم عقل المرء تمت أموره... وتمت أياديه وتم بناؤه
فإن لم يكن عقل تبيّن نقصه... ولو كان ذا مال كثيرا
عطاؤه
|